:: الباحثة عن الحقيقة ::
:: الجزء السابع ::
وفي اليوم الثاني توجهت للجامعة فافتقدت وجود سندس هناك وعرفت انها لم تداوم في ذلك اليوم فقلقت من اجلها واتصلت بها تليفونيا حال وصولي لا البيت فردت علي المشرفة فطلبت منها ان اتحدث مع سندس ، فذهبت ثم عادت لتقول انها مشغولة ! قلت :
هل هي مريضة ؟ قالت :
كلا انها بخير ، ثم انهت المكالمة ، فاستغربت ذلك وصممت ان امر عليها عصرا وبقيت اعد الساعات بانتظار العصر وانا بين الحيرة والقلق حتى حان العصر ، فذهبت اليها وطلبت من المساعدة ان تستدعيها فذهبت فترة ثم عادت لتقول :
انها مشغولة ! فهالني هذا الجواب وعدت اسألها هل هي مريضة ؟ قالت .
كلا انها بخير ولم يسعني ان استسلم بهذه السرعة فقلت لها متوسلاً :
ارجوك ان تعودي اليها لتقولي لها بانني اريدها لأمر هام ومستعجل فذهبت وبقيت انتظر على احر من الجمر ولكنها عادت لتقول :
لقد قالت انها مشغولة ولا تستطيع مقابلتك الآن ، قلت :
الا يمكن ان اذهب انا اليها ، قالت بشيء من الحدة :
انت تذهب اليها ؟ اذهب رحم الله اباك ولا تسبب لنا فضيحة يا شاب ، وهنا لم يسعني الا ان اعود الى البيت وانا في اشد حال وأقسى وضع .
كانت ساعات الليل بطيئة ومريرة لم تذق عيناي فيها النوم ، وانى لي ان انام ؟ وحبيبتي غاضبة عليّ دون أن أعرف السبب ، وفي الصباح تعجلت الذهاب الى الجامعة على امل ان القاها هناك وفعلا فقد وجدتها تقف بين مجموعة من الطالبات وقد على وجهها المشرق شيئاً من الشحوب فحاولت ان اتقدم نحوها محييا ولكنني جبنت عن ذلك ما دامت وسط هذه المجموعة وبقيت اتابعها حتى وجدتها تسير بمفردها فاسرعت وراءها وناديتها بصوت متهدج :
سندس ، سندس ، وكأنها ارادت ان تلتفت ثم عدلت عن الالتفات واسرعت في خطواتها فلحقت بها ووصلت اليها وانا اقول :
سندس ماذا بك يا حبيبتي ؟ فوقفت ونظرت اليّ نفس نظرتها العميقة الحزينة ثم هزت رأسها وقالت :
لا شيء ، قلت هل انت غاضبة عليّ ؟ فترددت لحظة ثم قالت بمرارة :
نعم ، فهالني الأمر ، فأنني قد اتصور اي شيء ولكن ان تكون سندس غاضبة عليّ فهو فوق ما أتصوره وأتحمله ولهذا فقد ارتج على لحظات وثم اعرف بماذا أجيب ، وكانت سندس قد تركتني خلال هذه اللحظات بعد أن ألقت عليّ نظرة عتاب عميقة اخرى ، فتهاويت على اقرب مقعد ، ولا اريد أن أقول بأنني رحت في بكاء حار لأن حالي كان يجل عن البكاء ، ثم انتبهت على نفسي بعد فترة فوجدت ان عليّ ان أعود الى البيت لأن حالي لم يكن يساعد على دخول المحاضرات ، وفعلا فقد توجهت نحو البيت وهناك رحت افكر وافكر دون ان اصل الى السبب الذي اغضب سندس عليّ ثم خطر لي ان مبيت فدوى عندي هو الذي أغضبها ولكنني عدت فاستبعدت ذلك لأنها لا تعلم بالموضوع وكيف لها ان تعلم ، ثم خطر لي أن احدثها بالأمر ولكنني تذكرت العهد الذي قطعته لفدوى بالكتمان ، ثم ان سندس لم تكن ممن يشك في حبي ، ولا ريب انها كانت ستفاتحني بالأمر مستفسرة قبل ان تعلن ثورتها عليّ بهذا الشكل ، وقضيب ليلتي تلك لم يغمض لي خلالها جفن ولم يهدأ لي فكر ، وفي الصباح خرجت من البيت مبكراً وذهبت لأنتظرها عند مدخل الكلية ولكن انتظاري لم يسفر عن شيء لأنها لم تأت في ذلك الصباح ، ولهذا فقد تركت الجامعة بدوري وخرجت وانا لا أعلم ماذا اصنع ؟ والى أين أتوجه ؟ فرحت اتجول في الشوارع على غير هدى واذا بي أتذكر صاحبنا العالم الديني وانه منحرف الصحة وتذكرت وعدي له بالمرور عليه فوجدت ان عليّ أن اذهب اليه ، ثم ان قلق روحي في حاجة الى هدوء نفسه المريح وفعلا فقد قصدت بيته مسرعا ، وأمام الباب حاولت ان اسبغ على وضعي بعض آثار الهدوء ، ثم طرقت الباب ففتحه لي الصبي الصغير الذي فتحه في أول مرة فسألته عن صحة الاستاذ ، فقال :
ان صحته أحسن وسألني اذا كنت احب أن ادخل اليه ؟ والحقيقة انني كنت احب ذلك فإن الاحساس الذي يشدني اليه كان قويا جدا سيما وانا في ساعاتي الحرجة تلك ، كان مثلي مثل الغريق الذي تعوزه اسباب النجاة ثم يلمح منارا هادياً من بعيد فيتوجه نحوه متأرجحاً بين النجاة والغرق ، ولهذا فقد طلبت من الصبي ان يقودني اليه ، فسار الى جواري خطوات ثم رفع رأسه نحوي ونظر اليّ ببراءة قائلاً :
لماذا جئتما متفرقين في هذه المرة ؟ ولم أفهم بالوهلة الأولى ماذا يعنيه ولهذا فقد سألته :
ماذا تعني يا عزيزي ؟ قال بشيء من الخجل :
أقصد لماذا لم تأتيا معا كالعادة ؟ ففهمت عنه في هذه المرة واجبته باختصار انها مريضة يا عزيزي ، قال :
مريضة ! ولكنها كانت هنا قبل دقائق ، فتوقفت عن السير والتفت نحوه في لهفة قائلاً :
كانت هنا قبل دقائق ؟ وكأن الصبي فطن إلى انه قال مالا ينبغي ان يقال فعلى الأحمرار وجهه ولم يرد عليّ ، فحاولت في هذه المرة ان ابدو طبيعيا ثم عدت اسأل :
إذن لقد سبقتني في الزيارة وهل انتظرت كثيراً ؟ قال بأسلوب مما يريد ان يختصر الحديث :
أنها لم تدخل ، استفسرت عن صحة ابي من عند الباب وذهبت ، وحدثت نفسي قائلاً اذن فهي قد سبقتني الى هذه المبادرة ، وهي مازالت مشدودة لهذا الاستاذ كما انني ما زلت مشدودا اليه ، ودخلت على الاستاذ فوجدته احسن حالا وان كانت اثار الحمى لم تفارقه بعد ، وجلس يحدثني بمختلف الاحاديث فارتحت اليه وودت لو تحدثت اليه بمشكلتي ولكن الخجل منعني عن ذلك وكنت انتظر منه ان يذكر هو شيئاً عن سندس ولكنه لم يتعرض لذكرها ولم أطيل البقاء فقد خشيت ان اثقل عليه وهو مريض فاستأذنت منه مع طلب موعد للمجيئ ، فظهر عليه بعض التردد الممزوج بالاستغراب ثم قال :
الساعة الرابعة من عصر يوم غد ان شاء الله ، فشكرته على ذلك وخرجت متوجها الى البيت ، ومن هناك اتصلت بدار الطالبات مرتين فلم ترد عليّ سندس وكنت أريد ان اخبرها بالموعد عساها تذهب فنلتقي هناك ، ولما يأست من ردها عليّ اعتراني شعور مرير باليأس وانطلقت مني كلمات غير معينة بالنسبة لي وهي تقول :
ماذا اصنع يا الهي ؟ كيف يمكنني أن أعرف السبب ؟ وفجأة قفزت الى ذهني كلمات الاستاذ وحديثه عن ضرورة الإيمان بالغيب وحاجة الإنسان لذلك الإيمان ، فها أنا الذي لم أتذكر من قبل أن لي رباً يعبدها أناذا الوذ به في ساعة العسرة بشكل فطري وعفوي ، وكان في استعادة هذه الكلمات ما دفعني لأن اجبر نفسي على العودة لمطالعة الكتاب الذي اعارني اياه الاستاذ على أمل أن أنصرف اليه عن أفكاري وفعلا فقد حاولت ان اقرأ ، ولكن وجه سندس الغاضب الحزين كان يتراءى لي من بين الكلمات فيشدني نحوه ، ونظرتها العميقة العاتبة كانت ترتسم أمام عيني فتحول بيني وبين رؤية كل شيء عداها ، كنت احس بها وقد ملكت زمام وجودي بأجمعه واستحوذت على مشاعري برمتها ، ولهذا فقد عز عليّ ان اقرأ مالا أفهم فاغلقت الكتاب وقد خطر لي أن أكتب بضع كلمات أرسلها لها عند الصباح ، وفعلا فقد أخذت القلم وكتبت واذا بالبضع كلمات تتكاثر حتى تملا صفحات وصفحات ، وختمت رسالتي بهذين البيتين :
فليتك تحلو والحياة مريرة * وليتك ترضى والانام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر * وبيني وبين العالمين خراب
وكأن هذه الكلمات قد حققت لي بعض الراحة لأنني توهمت أنها سوف تكون شفيعتي لديها ، وانها كفيلة بمسح الشوائب التي خالطت فكرها عني ، ولهذا فقد تمكنت من نوم متقطع وبكرت في الذهاب الى الجامعة على أمل أن أوصل رسالتي اليها بأسرع وقت ، وفعلا فقد وجدتها تسير وسط مجموعة من الطالبات فأعطيت الرسالة لأحد المساعدين وطلبت منه أن يوصلها لها ولم تمض دقائق حتى عاد المساعد وهو يحمل بيده الرسالة قائلاً :
لقد رفضت ان تستلمها ، فعرفت انها خمنت ان تكون الرسالة مني ، والعجيب انني لم احس تجاهها بأي غيظ فقد كنت أعتقد بأنها معذورة وان لديها ما يدفعها الى هذا الموقف ، وهذا ما كان يحيرني بالأمر ، ولم أعد ظهر ذلك اليوم الى البيت ، فقد كان لدي ما يدعوني الى البقاء في الكلية ولهذا فقد توجهت من هناك رأسا الى بيت الاستاذ ، وعندما وصلت الى هناك وجدت سندس تقف أمام الباب تنتظر الأذن بالدخول ، ففهمت من ذلك بأنها قد أخذت موعداً من الاستاذ كما اخذت انا موعداً منه ، فتقدمت نحوها محييا فردت بشيء من البرود واللامبالاة ولا حظت ان الهزال والاصفرار قد بدا واضحاً عليها وان هالة زرقاء تحيط بعينيها وتحكي عن ساعات طويلة من السهر فمددت نحوها يدي وانا اقول :
هل انت سندس حقا ام انني في حلم ؟ فأ طرقت ولم تجب ، فاردفت قائلاً :
لطيف ان يشدنا حبل واحد نحو هذا البيت ، وفي هذا دليل جديد على اتحاد وجودينا ، فرفعت رأسها ونظرت اليّ نفس نظرتها الحزينة العميقة ثم قالت :
صحيح ان طبيعة الحبل الذي يشدنا الى هذا البيت واحد ولكن لم يعد في هذا دليل على اتحاد وجودينا يا فؤاد ...
فطار لبي لهذه الكلمات الرصينة الحزينة وقلت في صوت جريج :
أرجوك ان ترحميني يا سندس فأنا لا أعرف الحياة بدونك ولا أعترف بوجودي منفصلاً عن وجودك ، أنت لي الحياة برمتها ، لماذا تقولين هذا وأنت نفسك لا تعترفين به ؟ فهزت رأسها بأسف وقالت :
سواء اعترفت ام لم اعترف فانه هو الواقع الذي يجب أن يعاش ، فقلت في توسل :
لماذا ؟ لماذا يا سندس ؟ بماذا أسأت اليك يا ترى ؟ صارحيني بكل ما لديك يا حبيبتي فأنا لا أكاد أفهم شيئاً يا سندس ، وهنا عادت تنظر اليّ بعمق وحزن أيضاً ثم قالت :
انت لا تريد أن تفهم شيئاً يا فؤاد ، قلت :
كلا بل انني اريد وأقسم لك بأنني على استعداد لأن اسمع منك كل شيء ، فهزت رأسها في انكار ثم قالت :
ليس هذا وقت الحديث فإن لدي موعد مع الاستاذ في الساعة الرابعة ، قلت وأنا ايضاً لدي نفس الموعد ، قالت :
طيب اذن دعنا نتناسى مشاكلنا الشخصية لنتمكن من الاستفادة ، قالت هذا وطرقت الباب ، وسرعان ما فتح لنا فدخلنا الى الاستاذ .
:: الباحثة عن الحقيقة :: المجموعة القصصية لـ بنت الهدى :: المجلد الثالث ::
|